فخر الدين الرازي
120
النبوات وما يتعلق بها
إذا قلنا : أن الفاعل المختار قد يفعل الفعل لا لغرض ( ولا لمرجح ) « 8 » أصلا . وإذا ثبت هذا فحينئذ يمتنع القطع بأنه تعالى انما خلق هذا المعجز ، في هذا الوقت لغرض التصديق . الشبهة الرابعة : هب أنه لا بدّ لله تعالى في كل فعل من فرض ، معين ، ومن حكمة معينة فما الدليل على أنه لا غرض لله تعالى من فعل هذا المعجز الا تصديق هذا المدعى ؟ فان في الاغراض كثرة . وأقسام حكمة الله تعالى في تدبير هذا العالم لا يحيط بها أحد من البشر . ثم انا نذكر احتمالات أخرى غير ما ذكرتم : فالاحتمال الأول : انه لا شك أن هذه الحوادث المعتادة : منتهية إلى إلى أول . والا لزم القول بحدوث حوادث لا أول لها . وذلك يوجب قدم العالم ( وقدم العالم ) « 9 » يقدح في اثبات الفاعل المختار ، والقدح في الفاعل المختار بمنع من القول بصحة النبوة . فثبت : أنه لا بدّ من الاعتراف بوجوب انتهاء هذه الحوادث المعتادة إلى أول ومبدأ . فهذا النوع من الحوادث ابتدأ في ذلك الوقت ، ثم أستمر بعده على نسق معلوم . إذا ثبت هذا فنقول : لعل هذا الّذي حدث الآن : ابتداء عادة مستمرة بعد ذلك . فان قالوا : لما شاهدنا بأن هذا لم يحدث بعد ذلك ، علمنا أنه ليس حدوثه لأجل أنه ابتداء عادة . قلنا : العادات قد تكون متكررة في أزمنة متقاربة ، وقد تكون متكررة في أزمنة متباعدة مثل ان العادة جارية بحدوث الصيف في كل سنة مرة واحدة ، وبحدوث قران العلويين في كل عشرين سنة مرة واحدة . فلم يلزم من عدم حدوث مثل هذا الحادث بعد هذه المدة ، أن لا يكون حدوثه لأجل أنه ابتداء عادة ؟ الاحتمال الثاني : لعله حدث لأجل أنه تكرير عادة متباعدة . مثل ما ضربنا من الأمثلة ، ومثل أن الكواكب الثابتة تنتهى إلى أول برج الحمل في كل ستة وثلاثين ألف سنة مرة واحدة . فلعل هذا الحادث الّذي حدث ، انما حدث لأنه تكرير عادة متطاولة متباعدة .
--> ( 8 ) سقط ( ت ) . ( 9 ) وهو ( ت ، ط ) .